الشوكاني

252

فتح القدير

في شأن مارية القبطية أم إبراهيم أصابها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيت حفصة في يومها ، فوجدت حفصة فقالت : يا رسول الله لقد جئت إلى بشئ ما جئته إلى أحد من أزواجك في يومي وفي دوري على فراشي ، قال ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها أبدا ؟ قالت : بلى ، فحرمها وقال : لا تذكري ذلك لأحد ، فذكرته لعائشة فأظهره الله عليه ، فأنزل الله ( يا أيها النبي لم تحرم ) الآيات كلها ، فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفر عن يمينه وأصاب مارية . وأخرجه ابن سعد وابن مردويه عنه بأطول من هذا . وأخرجه ابن مردويه أيضا من وجه آخر عنه بأخصر منه ، وأخرجه ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عنه مختصرا بلفظ قال : حرم سريته وجعل ذلك سبب النزول في جميع ما روى عنه من هذه الطرق ، وأخرج الهيثم بن كليب في مسنده والضياء المقدسي في المختارة من طريق نافع عن ابن عمر قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحفصة لا تحدثي أحدا ، وإن أم إبراهيم على حرام ، فقالت : أتحرم ما أحل الله لك ؟ قال : فوالله لا أقربها ، فلم يقربها حتى أخبرت عائشة ، فأنزل الله ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن أبي هريرة أن سبب نزول الآية تحريم مارية كما سلف ، وسنده ضعيف . فهذان سببان صحيحان لنزول الآية ، والجمع ممكن بوقوع القصتين : قصة العسل ، وقصة مارية ، وأن القرآن نزل فيهما جميعا ، وفي كل واحد منهما أنه أسر الحديث إلى بعض أزواجه . وأما ما قيل من أن السبب هو تحريم المرأة التي وهبت نفسها ، فليس في ذلك إلا ما روى ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم . قال السيوطي : وسنده ضعيف . ويرد هذا أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقبل تلك الواهبة لنفسها ، فكيف يصح أن يقال إنه نزل في شأنها ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) فإن من رد ما وهب له لم يصح أن يقال إنه حرمه على نفسه ، وأيضا لا ينطبق على هذا السبب قوله ( وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا ) إلى آخره ما حكاه الله . وأما ما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن ابن عباس سأل عمر بن الخطاب عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأخبره أنهما عائشة وحفصة ، ثم ذكر قصة الإيلاء كما في الحديث الطويل ، فليس في هذا نفي لكون السبب هو ما قدمناه من قصة العسل وقصة السرية ، لأنه إنما أخبره بالمتظاهرتين ، وذكر فيه أن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل ، وأن ذلك سبب الاعتزال لا سبب نزول ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) . ويؤيد هذا ما قدمنا عن ابن عباس أنه قال لعمر من المرأتان اللتان تظاهرتا ؟ فأخبره بأنهما حفصة وعائشة ، وبين له أن السبب قصة مارية . هذا ما تيسر من تلخيص سبب نزول الآية ، ودفع الاختلاف في شأنه فاشدد عليه يديك لتنجو به من الخبط والخلط الذي وقع للمفسرين . وأخرج عبد الرزاق والبخاري وابن مردويه عن ابن عباس قال : في الحرام يكفر ، وقال - لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة - . وأخرج ابن المنذر والطبراني والحاكم وابن مردويه عنه أنه جاءه رجل فقال : إني جعلت امرأتي على حراما ، فقال كذبت ليست عليك بحرام ، ثم تلا ( لم تحرم ما أحل الله لك ) قال : عليك أغلظ الكفارات عتق رقبة . وأخرج الحارث بن أبي أسامة عن عائشة قالت " لما حلف أبو بكر أن لا ينفق على مسطح ، فأنزل الله ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) فأحل يمينه وأنفق عليه " . وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن عائشة في قوله ( وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا ) قالت : أسر إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي . وأخرج ابن عدي وأبو نعيم في الصحابة والعشاري في فضائل الصديق وابن مردويه وابن عساكر من طرق عن علي وابن عباس قال : والله إن إمارة أبي بكر وعمر لفي الكتاب ( وإذا أسر النبي إلى بعض